الجصاص
156
أحكام القرآن
منهن ، وعقل من قوله تعالى : ( وعماتكم ) تحريم عمات الأب والأم . وكذلك قوله تعالى : ( وخالاتكم ) عقل منه تحريم خالات الأم والأب كما عقل تحريم أمهات الأب وإن علون . وخص تعالى العمات والخالات بالتحريم دون أولادهن ، ولا خلاف في جواز نكاح بنت العمة وبنت الخالة ، وقال تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) ومعلوم أن هذه السمة إنما هي مستحقة بالرضاع ، أعني سمة الأمومة والأخوة ، فلما علق هذه السمة بفعل الرضاع اقتضى ذلك استحقاق اسم الأمومة والأخوة بوجود الرضاع ، وذلك يقتضي التحريم بقليل الرضاع لوقوع الاسم عليه . فإن قيل : قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) بمنزلة قول القائل : وأمهاتكم اللاتي أعطينكم وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، فنحتاج إلى أن نثبت أنها أم بهذه الصفة حتى يثبت الرضاع ، لأنه لم يقل : واللاتي أرضعنكم أمهاتكم . قيل له : هذا غلط من قبل أن الرضاع هو الذي يكسبها سمة الأمومة ، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم متعلقا به ، واسم الرضاع في الشرع واللغة يتناول القليل والكثير ، فوجب أن تصير أما بوجود الرضاع لقوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) ، وليس كذلك الذي ذكرت من قول القائل وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، لأن اسم الأمومة غير متعلق بوجود الكسوة كتعلقه بوجود الرضاع ، فلذلك احتجنا إلى حصول الاسم والفعل المتعلق به ، وكذلك قوله تعالى : ( وأخواتكم من الرضاعة ) يقتضي ظاهره كونها أختا بوجود الرضاع ، إذا كان اسم الأخوة مستفادا بوجود الرضاع لا بمعنى آخر سواه . ويدل على أن ذلك مفهوم الخطاب ومقتضى القول ، ما رواه عبد الوهاب بن عطاء عن أبي الربيع عن عمرو بن دينار قال : جاء رجل إلى ابن عمر فقال : إن ابن الزبير يقول : لا بأس بالرضعة والرضعتين ، فقال ابن عمر : " قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ، قال الله تعالى : ( من الرضاعة فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بقليل الرضاع مطلب : اختلف السلف في التحريم بقليل الرضاع واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع ، فروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم والزهري والشعبي : " قليل الرضاع وكثيره يحرم في الحولين " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث ، قال الليث : " اجتمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم " . وقال ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان " . وقال الشافعي : " لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات " .